الكويت الجديدة: الطريق يبدأ من التعليم وبناء الإنسان
مقال الكويت الجديدة يناقش كيف يبدأ الإصلاح من التعليم والإنسان، ولماذا تحتاج الكويت إلى رؤية جادة تتجاوز النفط نحو دولة حديثة ومنتجة وواعية بمستقبلها | نشر 24 ديسمبر 2018
إيمان جوهر حيات
لو كان بإمكاننا أن نطوي صفحات الماضي، ونضمن أننا سننعم بحاضر ومستقبل أفضل، لطويناها منذ أمد بعيد. لكن الأمور لا تُدار بهذه الطريقة. فالمحن والمشكلات لا تختفي بالنسيان، بل ينبغي أن تقوّي إرادتنا، وتصقل خبراتنا، بشرط أن نعرف حقيقتها وأسبابها من دون تحريف أو تزييف.
حين لا تكفي النوايا وحدها
تزامنًا مع بدايات نهضة الكويت في الخمسينيات، كانت كوريا الجنوبية تعاني فقرًا شديدًا وشحًا في مواردها الطبيعية، وكانت تُعد من الدول الفقيرة التي يعتمد شعبها، في جانب من معيشته، على المعونات الخارجية. ومع ذلك، بدأت بوادر النهضة هناك من لحظة إدراك حقيقية لأهمية التخطيط وبناء الإنسان.
وضع الرئيس الكوري إي سنغ مان بعض ملامح الطريق، وكان التعليم من بين القضايا الأساسية في تلك المرحلة. ثم جاءت مرحلة بارك تشونغ هي، الذي دفع كوريا الجنوبية بعيدًا عن خط الفقر من خلال رؤية اقتصادية ركزت على التصنيع، وتنمية المهارات التقنية، وتشجيع الصناعات المتوسطة والثقيلة، ضمن خطط تنموية متتابعة. وقد ساهمت هذه السياسات، رغم ما أحاط بها من ظروف سياسية صعبة، في نقل كوريا الجنوبية إلى مسار اقتصادي جديد.
ومع التحولات السياسية اللاحقة في الثمانينيات، دخلت كوريا الجنوبية تدريجيًا إلى حلبة التنافس الدولي، بفضل تراكم التخطيط، والتعليم، والعمل، وحكمة من أدركوا أن نهضة الدولة لا تُبنى بالارتجال، بل بإعداد الإنسان ومراكمة الخبرة.
دروس من كوريا الجنوبية وسنغافورة
والأمر ذاته يمكن أن نراه في تجربة سنغافورة، تلك الجزيرة الصغيرة التي خرجت من ظروف صعبة، وكانت تفتقر إلى الموارد الطبيعية التي تستند إليها الدول عادة. بعد تولي لي كوان يو رئاسة الوزراء، واجه واقعًا شديد التعقيد: مجتمع متعدد اللغات والأديان والثقافات، لا يجمعه تاريخ سياسي طويل، ولا تسنده ثروات طبيعية كبرى.
لكن سنغافورة امتلكت ما هو أهم من الثروة: رؤية واضحة، وإدارة صارمة، وإيمانًا بأن الإنسان هو المورد الأول. بدأ الطريق من التعليم، ومن بناء الوعي، ومن تحويل الشعب نفسه إلى طاقة البلد المستدامة وأساس نهضتها.
وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا لم تحظَ الكويت، وهي تملك من القدرات والإمكانات المالية ما لا تملكه دول كثيرة، بنصيب مماثل من التقدم والازدهار؟
لم يفت الأوان. وما زلنا نستطيع أن نفعل ذلك.
حين يوقظ النفط أسئلة الإصلاح
أمثلة النجاح كثيرة، وكل ما نحتاجه هو أن نتأملها بجدية. فلو نظرنا إلى تذبذب أسعار النفط، وما حدث في نهاية عام 2014 من هبوط حاد في سعر برميل النفط، سنجد أن تلك اللحظة كشفت هشاشة الاعتماد شبه الكامل على مورد واحد.
حينها اتجهت الأنظار إلى فكرة إلغاء أشكال من الدعم الحكومي، وارتفعت أصوات الناس والتيارات المدنية والسياسية مطالبة بإصلاحات واقعية. وتحدث كثيرون عبر وسائل الإعلام والندوات عن ضرورة إيجاد مصادر بديلة للدخل، وتنمية القدرات البشرية، وبناء اقتصاد لا يبقى رهينة لتقلبات النفط.
لكن ما إن ارتفع سعر النفط لاحقًا حتى هدأت الأمور، وتنفست الحكومة الصعداء، ثم بدأنا نسمع عن مغامرات من المال العام، وعن ممارسات ضج منها الشارع واكتفى.
التعليم أول الطريق
لا توهمونا بالإصلاح، وما زالت مناهجنا تلقينية وتعيسة. فرؤية كويتنا الجديدة لن تتحقق من دون البدء بإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية، وتأسيس أجيال منجزة غير اتكالية، قادرة على التفكير والعمل والإنتاج.
ولا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية من دون إتاحة مساحة من الحرية، واحترام الدستور، وصون المبادئ الديموقراطية. فالمجتمع الذي نريده للمستقبل لا يُبنى بالخوف ولا بالتلقين، بل بالمعرفة، والكرامة، والمسؤولية، وإطلاق طاقات الإنسان.
نهضة الكويت تبدأ من الإنسان
لم تقم الحضارات الإنسانية إلا على تجارب وخبرات وأفكار السابقين، تلك التي كانت بمنزلة الشعلة التي أيقظت العقول من سبات الجهل وظلمة الانغلاق إلى نور العلم والانفتاح.
والكويت الجديدة، إن أردناها فعلًا لا شعارًا، لا تبدأ من المباني ولا الخطط الورقية وحدها. تبدأ من الإنسان. من المدرسة. من الجامعة. من الإدارة العامة. من احترام القانون. من مساءلة الفساد. من الإيمان بأن الدولة التي لا تستثمر في وعي أبنائها، ستظل تدور حول الأسئلة نفسها، مهما امتلكت من مال.
نحن لا نحتاج إلى تكرار الكلام عن الإصلاح، بل إلى إرادة حقيقية تبدأ من الجذر. فالثروة قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تصنع نهضة وحدها. وحده الإنسان الواعي، المتعلم، الحر، والمسؤول، هو الذي يصنع كويتًا جديدة تستحق اسمها.
المصادر
توضح بوابة «كويت جديدة» الرسمية أن رؤية الكويت 2035 تستهدف تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار، قائم على قطاع خاص نشط، وجهاز دولة مؤسسي، وتنمية بشرية وتشريعات متطورة.
تشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن أسعار النفط الخام هبطت بحدة في الربع الأخير من عام 2014، إذ انخفض خام برنت من 112 دولارًا للبرميل في يونيو إلى 62 دولارًا في ديسمبر، وهو ما يوضح أثر تقلبات النفط على الدول المعتمدة عليه.
تُعد تجربة كوريا الجنوبية مثالًا بارزًا على دور الخطط الاقتصادية الخمسية، والتصنيع الموجه للتصدير، وبناء القدرات البشرية في التحول الاقتصادي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
تُظهر تجربة سنغافورة، في عهد لي كوان يو، كيف يمكن لدولة صغيرة محدودة الموارد أن تتحول إلى اقتصاد متقدم عبر الإدارة العامة الصارمة، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح الاقتصادي المنظم.
