الليبرالية والدولة المدنية: حرية لا فوضى

الليبرالية | رؤية إنسانية تدافع عن الحرية والعدالة والمساواة، وتدعو إلى دولة مدنية تحترم الاختلاف وتفصل الدين عن السياسة دون إقصاء أو وصاية. وتصون حق الإنسان | نشر في 29 يوليو 2017

إيمان جوهر حيات

الليبرالية والدولة المدنية: حرية لا فوضى

أبدأ بمقولة تُنسب إلى الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي: «من يحترفون إثارة الفوضى في المجتمع هم بالتأكيد الذين لا يملكون حلًا لمشكلاتهم، ولكنهم يبحثون عن الزعامة وسط الفوضى».

يتهم البعض، للأسف، من المنتمين إلى التيارات الأصولية المتشددة، الفكر الليبرالي بأبشع الأوصاف، بل يصل الأمر أحيانًا إلى تكفيره. ولن نثير الفوضى بالرد على تلك الاتهامات المجحفة، بل سنوضح الحقائق والمبادئ الليبرالية.

الليبرالية نتاج سنوات من التفكير والنضال والمساهمات الفلسفية المتعددة، مرت بحقبات ومراحل عدة، وتغيرت بتغير واقع الإنسان وفكره. وهي مبنية على الملاحظة والبحث والدراسة المستفيضة، متطورة وليست جامدة، وتسعى بالأساس إلى إنصاف الفرد وحماية حقوقه الإنسانية، بغض النظر عن معتقده أو دينه أو طائفته أو قبيلته أو طبقته الاجتماعية.

والليبرالية ليست، ولن تكون، ضد أي فئة من فئات المجتمع، أو ضد أي فكر إنساني بمعناه الأوسع، بل تنادي بترسيخ مبادئ الدولة المدنية القائمة على الحقوق الإنسانية؛ كحرية التعبير والرأي، وحرية المعتقد، وعدم التمييز، والديموقراطية.

الليبرالية واحترام الاختلاف

وهذا ما لا تفهمه الأنظمة المستبدة وأتباعها من تيارات الإسلام السياسي المتشدد، للأسف. فبدلًا من الدخول في عراك وتراشق بأبغض الألقاب والألفاظ، والتهميش وعدم الاحترام، دعونا نتحاور بالحجة والبرهان والدليل.

فنحن، كليبراليين، لا نُقصي المختلف، لأنه في النهاية إنسان، ولا نكفّر من لا نتفق مع توجهاته، بل نستوعب الجميع؛ لأننا نؤمن بأن القوة تكمن في الاختلاف.

نحن نحترم إنسانية الفرد، ولا نميز بين رجل وامرأة، ولا بين إنسان وآخر، إلا بالمجهود والكفاءة، لا بالأصل أو المذهب أو القبيلة أو الطائفة أو الفئة. وذلك لإيماننا بأن الإنسان، حين يشعر بسيادة العدالة والحرية والمساواة، وباحترام فرديته وكرامته، سيكون إنسانًا منجزًا وفاعلًا، قادرًا على العطاء والتصدي لما يواجهه من مشكلات. ومن ذلك يزدهر المجتمع ويرتقي الوطن.

كفى لاستغلال الدين والسياسة

ها هي نتيجة الدكتاتورية والتطرف الديني والتسلط على الخلائق، التي لم تُثمر سوى المآسي والفواجع، التي نراها كل يوم في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

أليس من حقنا أن نقول: كفى؟ كفى لمن يستغل الدين لتحقيق مآربه المشبوهة، وكفى لمن يتبع سراب مدّعي التدين ووعودهم المعهودة. أليس من حقنا أن نطالب بالتعايش، واحترام الاختلاف، والتفكير، والإبداع؟ ولا أعرف، حقيقة، أين يكمن الخطأ في ذلك؟

الحرية لا تعني الانحلال

ترى الليبرالية أنه لا غنى عن الحرية؛ فبها تنمو مهارات الأفراد وقدراتهم، ويتحقق الرضا والتوافق في المجتمع. ومن خلالها يتمكن الإنسان من تنمية ذاته، وتحقيق قدراته بما يتفق مع رغباته، وما يترتب على ذلك من شعوره بالانتماء والأمان والاطمئنان.

وعندما نطالب بالحرية، فإننا لا نطالب بالانحلال، كما يتهمنا أتباع الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة وأصحاب الأجندات الدينية المسيّسة. فالحرية التي نطالب بها مقيدة بعدم الإساءة أو الإضرار بالآخرين، وباحترام سيادة القانون والنظام.

الليبرالية ورفض الاستبداد

ترفض الليبرالية جميع أنواع الاستبداد وأشكاله، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو دينيًا. كما ترفض تجهيل الشعوب وسياسة «فرّق تسد»، وتناصر حق العقل في المعرفة والتعليم، الذي على أساسه تنمو قدرات الفرد، ويصبح له دور فاعل في المجتمع.

وهذا ما يخشاه المستبد والمتطرف؛ لأن الإنسان الواعي قادر على كشف حقائقهم المشينة والفوضوية.

فإقامة مجتمع مدني متعايش، يشعر كل فرد فيه بالعدالة والمساواة والحرية تحت مظلة القانون، هو هدفنا.

فصل الدين عن السياسة لا عن المجتمع

الليبرالي لا يسعى، لا من قريب ولا من بعيد، إلى شن أي حروب عدائية مع أي دين أو توجه أو اعتقاد. ولا يفرض على الخلق الطاعة العمياء والامتثال لتعاليمه بلا تفكير أو نقد أو بحث أو دراسة، بل يحارب كل من يستغل الدين لدغدغة مشاعر البسطاء من الناس، وتجنيدهم لغايات هدامة.

نعم، نحن ننادي بفصل الدين عن السياسة، لا بفصل الدين عن المجتمع. فكل إنسان له الحرية في ممارسة عقائده وقناعاته الخاصة كما يشاء، طالما أنه لا يضر غيره ولا يقصيه.

نحن نطالب بالالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، وبتطبيق القانون بعدالة ومساواة على الجميع من دون تمييز. ونطالب باحترام الاختلاف، ومحاربة الفساد، ووقف الهدر.

ولن تُحل مشكلاتنا حتى نحاسب أنفسنا بكل موضوعية وعقلانية، ونواجه الحقائق مهما كانت مؤلمة، بدلًا من الهروب ونشر الفوضى، وتشويه الوقائع بحجج وأكاذيب وادعاءات ملفقة وكيدية.

فهل نستطيع أن نتعاون جميعًا لأجل الإنسانية والوطن؟