المجتمعات لا تستورد الصراعات بل تستورد لغتها

المجتمع في زمن الأزمات: كيف يتشكل وتُدار المخاوف؟

إيمان جوهر حيات

4/28/2026

لا تظل آثار الصراعات الإقليمية محصورة في السياسة أو الأمن، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها، حيث تتغير طريقة الناس في قراءة الأحداث، وتتبدل مستويات القلق والثقة، وتصبح اللغة العامة أكثر حساسية وقابلة للتصعيد. ففي أوقات الأزمات، لا يتعامل المجتمع مع الأخبار بوصفها معلومات محايدة، بل بوصفها إشارات تمس الأمان والانتماء والمستقبل، وتعيد تشكيل نظرته إلى ذاته والآخرين.

ومن منظور العلوم الاجتماعية، لا تكمن خطورة الصراع الإقليمي في الحدث الخارجي وحده، بل في الطريقة التي ينعكس بها داخل المجتمع. فعندما يزداد الغموض، وتتعدد الروايات، وتنتشر التفسيرات المتضاربة، يُصبح المجال العام أكثر قابلية للاستقطاب والفرز الرمزي بين "نحن" و"هم"، وبين من يُنظر إليه بوصفه جزءاً من الجماعة، ومن يُدفع تدريجياً إلى موقع الشبهة أو الخصومة.

وهنا يبرز دور علم الاجتماع السياسي في تفسير العلاقة بين الصراع الخارجي والتوتر الداخلي. فالأزمات الدولية والإقليمية قد تعيد تنشيط حساسيات كامنة داخل المجتمعات، سواء كانت مذهبية، أو عرقية، أو سياسية، أو ثقافية. وهذه الحساسيات لا تتحول بالضرورة إلى انقسام ظاهر، لكنها قد تظهر في الخطاب اليومي، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي طريقة تصنيف الناس لبعضهم، وفي تراجع القدرة على النقاش الهادئ حول القضايا العامة.

غير أن المجتمع لا يتحرك في فراغ، ولا يمكن فهم ردود فعله بمعزل عن البيئة التي يتلقى فيها المعلومة، ونوعية الخطاب العام، ومستوى الثقة بالمؤسسات، وعدالة السياسات، وطريقة إدارة الأزمة. فالتوتر المجتمعي لا ينتج دائماً من الناس وحدهم، بل قد يتضخم حين تُدار لحظات الخوف وعدم اليقين بطريقة تزيد الالتباس، أو حين تغيب الرسائل الواضحة، أو تتعدد مصادر التأويل دون وجود قنوات موثوقة تشرح وتفسر وتطمئن.

أما علم النفس الاجتماعي فيوضح أن الأفراد في لحظات الخوف يميلون إلى البحث عن تفسيرات سريعة وواضحة، حتى لو كانت مبسطة أو حادة. فعندما يشعر الناس بأن الواقع معقد أو مهدد، تزداد قابلية البعض لتبني روايات تؤكد مخاوفهم السابقة أو تحمّل جماعة معينة مسؤولية القلق العام. ومن هنا، لا يمكن فهم خطاب الكراهية أو التوترات الهوياتية بوصفها مجرد انفعالات فردية، بل بوصفها نتاجاً اجتماعياً يتشكل في بيئة يغلب عليها الشعور بالتهديد وتراجع اليقين.

وتزداد هذه القابلية في ظل بيئة معلوماتية مضطربة. وفي هذا السياق، صنف تقرير المخاطر العالمية لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة والاستقطاب المجتمعي ضمن أبرز المخاطر الراهنة، مشيراً إلى أن هذه المخاطر تقوض الثقة العامة و تعمق الانقسامات داخل المجتمعات وتؤثر في الاستقرار المؤسسي. كما يوضح تقرير "الحقائق لا الشائعات" Facts not Fakes الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن مواجهة التضليل لا تقتصر على تصحيح الأخبار، بل تتطلب تعزيز شفافية مصادر المعلومات وتعددها ومساءلتها، وبناء قدرة مجتمعية ومؤسسية على حماية نزاهة المجال المعلوماتي.

وفي هذا السياق، لا يكون الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل جزءاً من البنية التي يتشكل عبرها وعي المجتمع بالأزمة. فالإعلام المهني والمسؤول يساهم في تهدئة المجال العام من خلال التحقق، وتقديم السياق، واختيار المفردات بدقة. أما الخطاب الإعلامي المندفع أو المنحاز أو غير المنضبط، فقد يحول القلق إلى اتهام، والاختلاف إلى خصومة، والخبر إلى مادة لاستثارة الانفعال الجماعي.

ولا يمكن فصل أثر الإعلام عن البيئة المؤسسية التي يعمل داخلها. فحين تغيب الشفافية، أو تتأخر المعلومة الرسمية، أو تُترك الساحة العامة لخطابات متنافسة وغير موثوقة، يصبح المجال العام أكثر عرضة للالتباس والتعبئة والانفعال. وفي بعض البيئات، لا يتشكل التوتر المجتمعي تلقائياً، بل قد يتغذى من أنماط متكررة من الخطاب، عبر تضخيم انتقائي لبعض المخاوف، أو تكرار سرديات معينة، أو دفع النقاش العام نحو ثنائيات حادة تجعل الاختلاف أقرب إلى الاصطفاف منه إلى الفهم. وهنا يصبح الخطر في هندسة الانفعال العام، لا في اختلاف الآراء بحد ذاته.

غير أن العلوم الاجتماعية لا تختزل المشكلة في الإعلام وحده. فالتوتر المجتمعي لا ينتج عادة من منشور أو خبر واحد، بل من تراكم ظروف نفسية واجتماعية ومؤسسية، مثل الخوف العام، وضعف الثقة، وغياب قنوات ذات مصداقية عالية تفسر الأحداث بموضوعية وتجرد. لذلك، فإن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في أن يتوتر المجتمع، بل في أن تُدار لحظة التوتر بطريقة تزيد هشاشته، وتدفعه إلى الشك والتصنيف والاصطفاف.

وقد أظهرت تجارب عالمية حديثة، مثل إدارة أزمة جائحة كورونا، أن وضوح الرسائل الرسمية وسرعة التواصل مع الجمهور أسهما في تخفيف القلق الاجتماعي في بعض الدول، بينما أدى تضارب المعلومات في دول أخرى إلى زيادة الشك والانقسام داخل المجتمع. وقد أشارت دراسات في علم الاجتماع إلى أن مستوى الثقة بالمؤسسات خلال الأزمات يرتبط ارتباطاً مباشراً بدرجة الاستقرار الاجتماعي والاستجابة الجماعية للتحديات.

المصدر: UNDP, Social Cohesion in conflict and Fragile settings.

وعند ترك هذه التصورات دون تفسير واضح أو معالجة مؤسسية عادلة، فإنها لا تبقى مجرد مشاعر مستترة، بل تتحول تدريجياً إلى مواقف اجتماعية قد تؤثر في مستوى الثقة داخل المجتمع.

وهنا تظهر أهمية العدالة بوصفها عاملاً اجتماعياً لا قانوناً فقط. فحين يشعر الأفراد بأن القواعد التي تُنظم حياتهم واضحة، وأن الإجراءات مفهومة، وأن الحقوق مصونة دون تمييز، تنخفض قابلية المجتمع للارتياب والتصنيف والاتهام. أما عندما يضعف الشعور بالإنصاف، فإن أي أزمة خارجية قد تتحول إلى مرآة تعكس توترات داخلية كامنة.

لذلك، لا تُقاس قوة الدولة في زمن الأزمات بقدرتها الأمنية فقط، بل بقدرتها على بناء الثقة. والثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بوضوح الإجراءات، واتساق الرسائل، وعدالة التطبيق، واحترام كرامة الأفراد، وتقديم المصلحة العامة على أي خطاب تعبوي قصير المدى. فالمؤسسات حين تتصرف بعدالة وشفافية واتزان، لا تحمي القانون وحده، بل تحمي المجال الاجتماعي من الانزلاق نحو الشك والخصومة والانقسام.

ومن هذا المنظور، فإن دور العلوم الاجتماعية في زمن الصراعات لا يقتصر على وصف ما يحدث، بل يمتد إلى تحليل الآليات التي تجعل المجتمع أكثر أو أقل قابلية للتوتر. فهي تساعد على فهم كيف يتحول الخوف إلى موقف، وكيف يتحول الموقف إلى خطاب، وكيف يتحول الخطاب، إذا تُرك بلا وعي أو ضبط مؤسسي، إلى نمط اجتماعي قد يضعف استقرار المجتمع ويزيد احتمالات الاستقطاب.

إن قراءة أثر الصراعات الإقليمية اجتماعياً تكشف أن الخطر لا يكمن دائماً في انتقال الصراع إلى الداخل بصورة مباشرة، فالمجتمعات لا تستورد الصراعات بحد ذاتها، بل تستورد لغتها وتفسيراتها وأنماط التفكير التي تصاحبها. وحين تتسرب هذه اللغة إلى المجال العام دون تفكيك أو مساءلة، يصبح المجتمع أكثر قابلية لأن يرى نفسه والآخرين من خلال منطق الصراع، لا من خلال منطق المواطنه والعدالة والمصلحة المشتركة.

ومن هنا، لا يقتصر دور المتخصصين في العلوم الاجتماعية على التشخيص والتحليل، بل يمتد إلى مسؤولية مجتمعية أوسع، من خلال تفكيك مصادر التوتر وفهم أسبابها، وقراءة أثر الخطاب والسياسات والمؤسسات في تشكيل المزاج العام، وتقديم معرفة مبنية على الأدلة المستندة على المنهج العلمي تساعد على بناء استجابات أكثر عدلاً واتزاناً. فالمجتمعات لا تحتاج في لحظات الصراع إلى مزيد من التعبئة والانفعال، بل إلى مؤسسات موثوقة، وإعلام مسؤول، وخطاب عام يخفف القلق بدلاً من أن يستثمر فيه، بما يعزز قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات الخارجية، ويمنع تحويلها إلى توترات داخلية ممتدة.