الطائفية وأزمة الثقة: حين يكشف الوباء هشاشة المجتمع
مقال بعنوان الطائفية وأزمة الثقة يناقش كيف كشفت أزمة كورونا عمق الطائفية وغياب الوعي الصحي وضعف إدارة الأزمات والثقة المجتمعية | نشر 2 مارس 2020
إيمان جوهر حيات
فيروس يكشف ما هو أعمق
في ظل محيط متأزم، وزحام السجالات السياسية، ومعمعة الفساد المستشري، وفي وسط الأعياد الوطنية، يجتاحنا فيروس كورونا المستجد، الذي أصبح هاجسًا ومصدر قلق للعالم.
اخترق هذا الفيروس حدودنا، متوقعًا أن تُسلط كل الأضواء على طلعته غير البهية، لكنه لم يجد الاهتمام ذاته الذي حازه عالميًا، بل فوجئ بوضع مريب بالنسبة إليه. فقد وجد وباءً أشد خطرًا وأكثر تفشيًا منه، يسمى: الطائفية.
حين يتحول الوباء إلى تراشق طائفي
حتى الوباء حُوّل إلى تراشقات طائفية، يستغلها بعض السياسيين والمتنفذين لخلخلة الموازين وتحقيق بطولات وهمية.
أو يتبناها بعض الجهلاء والمغيبين، الذين غُسلت أدمغتهم ببعض الهرطقات التي أوهمتهم أنهم مركز الكون، ومن عداهم مجرد كائنات بلا قيمة منسية.
بمجرد المرور على وسائل التواصل الاجتماعي، وقراءة بعض التعليقات، والاستماع إلى تصريحات بعض السياسيين وغيرهم من المتكسبين من افتعال الأزمات والصراعات، تدرك أن الشرخ عميق، وأن البلاء الذي نعيشه أعظم وسط هذه العقول الصدئة والمعطلة التي ابتلينا بها.
تركوا الفيروس الذي حرّك منظمة الصحة العالمية، وأشغل شركات الأدوية، وذبذب أسعار النفط والبورصات العالمية، وخلق الهلع بين الشعوب والدول، واعتكفوا على جلد بعضهم وتخوينهم بإسقاطات طائفية غير واعية بالحدث الذي نعيشه.
إسقاطات غير مدركة أن هذا الفيروس أعمى وأصم، ولا يكترث بخزعبلات البعض غير المنطقية، والتي تبيّن عمق التشرذم البنيوي للمجتمع.
شكر للجهود وانتقاد للإدارة
وبعيدًا عن نبرة الطائفية التي تطفح مع كل حدث، أشكر جهود كل من أدى واجبه وتحمّل المخاطر، في سبيل راحة واستقرار المصابين والمشتبه في إصابتهم بالفيروس، شافاهم الله جميعًا.
وانتقادي هنا موجّه إلى الإجراءات المتبعة من قبل الإدارة الحكومية، وإلى عدم وجود خطة محكمة معدة مسبقًا لإدارة الأزمات، وقابلة للتنفيذ في حال حدوث أي طارئ صحي.
ولست بصدد التعليق على المواقع المبهرجة التي خصصتها الدولة لإجراء الحجر الصحي، سواء كانت فنادق أو متنزهات سياحية، بل على بعض الأساسيات التي نفتقدها، ومن دونها لا نستطيع تخطي مرحلة الخطر.
غياب الوعي الصحي
عدم وجود منهجية مسبقة لتنمية الوعي الصحي للمجتمع، وكيفية التصرف في حال حدوث أي طارئ صحي كما نشهده في هذه الأيام، هو سبب رئيسي لهلع الناس، وعدم قبولهم بعض الإجراءات المتخذة من قبل السلطات المختصة.
غياب مؤسسات المجتمع المدني
غياب دور مؤسسات المجتمع المدني، التي من المفترض أن تكون شريكًا فاعلًا مع الحكومة، وخاصة في الخطط الموضوعة لإدارة الأزمات، يكشف خللًا واضحًا.
وأتحدث هنا عن رؤى بعيدة المدى، لا عن إجراءات سريعة وارتجالية للتصدي لواقع حتمي.
الحجر المنزلي والمسؤولية الفردية
الحجر المنزلي أمر متبع في أغلبية دول العالم، وهو لا يكون بشكل عابث، بل من خلال لائحة بالتعليمات والإرشادات الواجب اتباعها من قبل المشتبه في إصابتهم.
والأهم هو إحساس الفرد بالمسؤولية تجاه المجتمع. وهذا الإحساس يُكتسب من خلال مرحلة التأسيس التربوي والتعليمي، وكذلك من خلال البرامج التوعوية والتثقيفية التي تشجع على العمل الجماعي التشاركي، وخاصة في ظل الأزمات.
وهذا أيضًا غير متوافر، بسبب طغيان النزعة التفردية الأنانية والاتكالية، التي أصلتها المنهجية الرجعية المتبعة من قبل الإدارة الحكومية.
لذلك، لا جدوى من الحجر المنزلي في غياب الإحساس بالمسؤولية.
طوق النجاة
التخطيط لإدارة الأزمات، وتبني منهجية متطورة ومستدامة لتأهيل المجتمع وتوعيته وكسب ثقته، هو طوق النجاة الذي سينقذنا جميعًا.
