استغلال المسؤول: حين يتحول المنصب إلى أداة قمع وفساد
مقال عن استغلال المسؤول لمنصبه في المؤسسات التعليمية والإدارية، وأثر الفساد والمحسوبية وقمع التفكير النقدي على الطلبة والمجتمع وأجيال الغد | نشر 25 يناير 2021
إيمان جوهر حيات
حين تتحول السلطة الصغيرة إلى إهانة
قبل أيام، كتبت تغريدة أستذكر بها أحد الأساتذة الذين عاصرتهم عندما كنت طالبة في جامعة الكويت، ورأيت بأم عيني إهانة طالبة فقط لأنها لم تكن تملك المال لشراء كتابه، رغم أن لديها نسخة مصورة منه.
كان ذلك الحدث منذ سنوات طوال، وقد أثر بي كثيرًا انكسار هذه الفتاة أمام زملائها. وتفاعل مع هذه التغريدة طلبة وأولياء أمور وأساتذة، بعضهم أكد استمرار هذه السلوكيات المعيبة من تعجرف وتمييز وعنصرية واستغلال من بعض الأساتذة لمناصبهم، من دون رادع.
فوضى تتجاوز حدود الجامعة
ما حدث لا يقتصر فقط على جامعة الكويت، بل هو جزء من فوضى تغلغلت في أغلب مؤسسات البلد، وشكّلت سلوكيات معيبة تتسم بالجشع والأنانية والتسلط.
كما في حالة الأستاذ الذي يستغل منصبه، إما لإشباع حاجات نفسية مريضة، أو لتعويض نقص ما تعرض له في محيطه المتسم بالفوضى. وفي الأغلب، هذا النموذج من المسؤولين هو نتاج بيئات مضطربة ومتناقضة، لا يستطيع أصحابها إظهار عضلاتهم إلا على من هم أضعف منهم.
في النهاية، هؤلاء مجرد دمى تحركها رواسب نفسية أو مصالح مادية، ولديهم يقين شبه تام بعدم قدرة النظام المترهل بالفساد على وضع ضوابط مقننة ورادعة لكل مستغل ومخالف.
الصمت ليس ضعفًا فرديًا دائمًا
أما الذين يصمتون عن الدفاع عن أنفسهم، وعن حماية حقوقهم ومناصرة الآخرين المتضررين، فهم أيضًا ضحايا لبيئة متسلطة ومغيبة، ترى في التفكير النقدي معصية، وفي الاستسلام سلامة، وفي الرضوخ طاعة، وفي النفاق نجاة.
وما النظام إلا جزء لا يتجزأ من هذه البيئة. وبدلًا من محاربة تلك السلوكيات غير السوية، وهذه الثقافة المدمرة للعقل والنفس، نراه يعيد إنتاج التفاوتات والتقسيمات الاجتماعية، ويعزز تلك السلوكيات المرضية لحماية نظام اجتماعي قائم، يضمن بقاء فئة مهيمنة، أو استمرار سلطة مسيطرة.
والنتيجة هي عدم الاستقرار السياسي، الذي انعكس بشكل سلبي على جميع نواحي حياتنا، وتشعب في أغلب مؤسساتنا. إنه خلل عميق يدفع ثمنه المواطن، وتحصد ريعه أجيال الغد.
فساد بلا فاسدين
لذلك، كثيرًا ما نسمع عن الفساد من دون أن نرى الفاسدين.
وأصبح المواطن، سواء كان موظفًا بسيطًا أو طالبًا لا يملك نفوذًا أو واسطة، ضحية لهذا الفساد الإداري القاتل للإبداع، وأسيرًا للمنهجية القائمة على قمع الحريات ووأد التفكير النقدي المحفز للوعي، فلا يقوى على أداء دوره في المجتمع كشريك فاعل، قادر على تنظيم أموره وإدارة مستقبله.
حين تبقى الدراسات حبيسة الأدراج
الخروج من هذه الدوامة المستدامة يتطلب جهودًا مضنية تؤمن بضرورة التغيير وأهميته، على أن يكون تغييرًا مستندًا إلى دراسات منهجية علمية تفند الخلل وتضع الحلول المناسبة.
والأهم هو تطبيق ما استخلصته تلك الدراسات الميدانية العديدة من حلول واقعية وموضوعية، من شأنها حماية مكتسبات أبنائنا وتأهيلهم لقيادة المستقبل.
وهنا تكمن المشكلة؛ في بقاء تلك الدراسات والتوصيات الجيدة حبيسة الأدراج بلا فائدة، لعدم مواءمتها لتطلعات بعض المسؤولين الذين وصلوا إلى كراسيهم من خلال المحسوبية والواسطة والغش والتزوير.
إصلاح الخلل حماية للمستقبل
نحن في أشد الحاجة اليوم إلى أن نضع إصبعنا على مكامن الخلل دون تحسس أو انزعاج، وأن نسعى إلى إيقاف توغله، لا بالشعارات، ولا بإنشاء المراكز والمؤسسات والهيئات الشكلية لإظهار صورة مزيفة لا تعكس واقعنا المريض من الداخل بموضوعية.
إصلاح خلل اليوم هو حماية لأجيال الغد، وتلك مسؤوليتنا جميعًا.
