أزمة هوية: بين الموروث والمواطنة والحداثة

أزمة هوية تراجع علاقة الإنسان بموروثه ومواطنته وحداثته، وتسأل كيف يتحول الانتماء من معنى جامع إلى صراع يربك الوعي ويزيد الغربة والكراهية داخل المجتمع اليوم | نشر 22 يوليو 2019

إيمان جوهر حيات

«مشاةً نلتقي.. مشاةً نفترق

الماشون أحياء.. والواقفون موتى،

لكنك لست واقفًا أو ماشيًا، فمن سيحل المسألة؟»

من كتاب «مشاةً نلتقي.. مشاةً نفترق» للشاعر والكاتب الفلسطيني ـ السوري رائد وحش.

أثار تساؤله لديّ تساؤلًا آخر: هل نحن نعيش أزمة في هويتنا؟

أزمة هوية تبدأ من التعليم

كتبنا المدرسية التي أذكرها علّمتنا الوحدة والقومية والعروبة، لكنها لم تعلّمنا أن ما تعلمناه مجرد أضغاث أحلام يصعب تحقيقها.

تعلّمنا كيف نتباهى ونفتخر بماضٍ لا نعلم كل حقائقه وخفاياه.

تعلّمنا أن نصفّق ونمجّد، ولم نتعلّم كيف نبني ونعمر.

تعلّمنا كيف نقف باحترام لنحيّي العلم كل صباح، ولم نتعلّم ما تعنيه كلمة مواطنة.

وهنا بدأ الصراع يتشكّل، وأصبحت هويتنا العربية مجرد كلمات نسمع صداها في خطابات أغلب الساسة العرب في المؤتمرات والمنابر الدولية والإقليمية تحت شعار «الأمة العربية»، التي لا نرى منها اليوم إلا الشتات والانفصال المستمر، الذي تجاهل كل ما يجمع بيننا من روابط تاريخية وثقافية كثيرة.

بين القومية والدين والحداثة

بعد هزيمة عام 1967، بدأ نجم القومية العربية، الذي بزغ بالتوازي مع تفكك الإمبراطورية العثمانية خلال أواخر القرن التاسع عشر، بالأفول. وبين مجموعة من الأفكار والمعتقدات السياسية، عاد شعار الأمة الإسلامية إلى السطوع من جديد، وأصبح مشروع القومية يستقطب أغلب الإثنيات العرقية المختلفة، فتحولت الهوية من هوية عربية «إثنية» إلى هوية إسلامية «دينية».

وما إن تطورت الأمور ورسا الانفتاح على شواطئ بلداننا، حتى أصبح هناك عراك مزدحم آخر، تعدّى صراع التيارات السياسية مختلفة التوجهات، التي تطمح إلى الوصول إلى السلطة، وتعدّى الخلافات بين الفرق الإسلامية المختلفة، التي أغلب خلافاتها مصلحية بحتة.

وقد شهدنا في هذا العصر التحولات التي سادت بعض الدول، وتحول خطاب الإسلام السياسي من التشدد المفرط إلى المغالاة في التساهل.

أصبحت الهوية مضطربة بين مطرقة الموروث وسندان الحداثة.

غياب هوية الإنسان

وأصبح العراك المحتدم هو غياب هوية الإنسان؛ الشخصية التي لا تتكون إلا بوعيه لنفسه ولمحيطه، ومدى مرونته في التكيف مع المستجدات والتغيرات التي تطرأ على حياته.

أما ربط الهوية بمعتقد أو موروث ثابت، يحصر الخير والصلاح في ذاته، متعاليًا على كل المختلفين، الذين ينظر إليهم بتمييز وتحقير وتهميش، سواء كان ذلك معلنًا أو مضمرًا، فهو سبب من أسباب تفشي الكراهية بين فئات المجتمع المختلفة إثنيًا وعقائديًا وفكريًا.

وهو أيضًا سبب شعور المواطن بالغربة عن هويته الشخصية المنفردة، التي حُصرت في نطاق ضيق لا يحتوي الاختلاف والتنوع والتعددية، ولا يستوعب المرونة والتفاعل.

وهذا، بحسب علماء النفس والاجتماع، أحد أسباب انتشار ظاهرة العنف، التي لم تعد مقتصرة على النزاعات الدولية، بل أصبحنا نشاهدها في أغلب المرافق العامة والخاصة. وكذلك يمكن رصد حدة ردود الأفعال المبالغ فيها في وسائل التواصل الاجتماعي على مواضيع سطحية وغير مستحقة، وكأنها عملية تفريغ لغضب، أو مواراة لنقص.

«علينا أن نتعلم العيش معًا كإخوة، أو نموت جميعًا كأغبياء»، كما قال مارتن لوثر كينغ.