غربلة الأفكار: التنشئة الاجتماعية وبناء الإنسان الواعي

غربلة الأفكار مقال يتأمل أثر التنشئة الاجتماعية في تشكيل وعي الإنسان، ودور القيم الأولى في بناء مجتمع أكثر احترامًا واختلافًا وقدرة على الإصلاح والتغيير | نشر 22 يناير 2018

إيمان جوهر حيات

أمي ومدرسة القيم الأولى

شكرًا لك يا أمي، يا من علمتِني كيف أحترم المختلف، وكيف أنسجم مع ذاتي، وكيف أكافح وأصبر، وكيف أتعظ من هفواتي.

شكرًا لوالدتي التي لم تنل ذلك التعليم الكافي، ولكنها حفزتنا على الاجتهاد والإنجاز والعمل والإخلاص وحب الوطن.

نصائحك وكلماتك ما زالت ترن في أذني، يا ملاكي ويا أجمل ما وجد في حياتي، فأنتِ ملهمتي التي علمتني وما زالت تعلمني تلك القيم الجميلة، التي تسمو بها الروح وتزدهر الإنسانية.

علمتِني أن أساعد ولا أنتظر رد الجميل، وأن أبتسم في وجه كل فقير ومسكين، وألا أتخذ قرارًا في لحظة غضب، وألا أظلم ولا أحب لغيري الظلم، وأن أناصر الحق.

علمتِني أن أنظر إلى ظروف الناس قبل أن أحكم عليهم، فليس كل ما نراه أو نسمعه يعكس الواقع، أو يدل على الحقائق. وعلمتِني أننا جميعًا متساوون، فلا يميّز إنسان على آخر إلا بعمله واجتهاده، وعلمتِني أن التواضع والاتزان من سمات العاقل، وأن التكبر والغرور من سمات الجاهل.

تلك المبادئ الجميلة والعميقة هي ما يستوجب غرسها في نفوس أبنائنا، إن كنا بالفعل نريد لهم مستقبلًا مشرقًا وواعدًا وحياة مستقرة.

التنشئة الاجتماعية وتشكيل الإنسان

إن لدور التنشئة الاجتماعية أثرًا بالغًا في تشكيل وتوجيه سلوكيات الطفل والمراهق، فالتنشئة الاجتماعية هي «عملية استبدال الجانب البيولوجي بأبعاد اجتماعية وثقافية، لتصبح هي الموجه الأساسي لسلوك الفرد في المجتمع، وهي العملية التي يتم فيها، ومن خلالها، دمج ثقافة المجتمع في الفرد، ودمج الفرد في ثقافة المجتمع».
تعريف إميل دوركايم، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي 1858 - 1917.

وهذا يعني أن أبناءنا وأجيالنا هم نتاج ما غُرس في عقولهم من ثقافة وتعليم وتربية، فبيدنا أن نصنع منهم أسيادًا، وبيدنا أن نصنع منهم عبيدًا.

فمن خلال التربية نستطيع تركيز القيم والمبادئ الإنسانية، التي تحدد الخطوط العامة لشخصية الفرد، وتحدد سلوكه في المجتمع من خلال علاقاته مع الآخرين، كما نستطيع من خلالها ترسيخ المبادئ التي تقود إلى تماسك ووحدة المجتمع، كخلق التعايش والاحترام والمحبة والمساواة بين أفراد المجتمع.

منظومة الأفكار الموروثة

إن كل الصراعات التي من حولنا ما هي إلا انعكاس لمنظومة الأفكار الموروثة وغير القابلة للنقد وإعادة التقييم والبحث، فهي أفكار لا تتوافق مع سنة التغيير التي تخضع للتجديد والتطوير المستمر.

وهذا الركود والخوف من التغيير هو ما يقود إلى إعادة إنتاج الماضي، والتخلف عن ركب الحضارة والتقدم.

ولا سبيل لأي إصلاح أو تنمية من دون النظر في تلك المنظومة الفكرية، وتنقيحها من الشوائب، والعمل على تطويرها بما يتوافق مع معطيات ومتغيرات الزمان الذي نعيش فيه.

غربلة الأفكار وبناء الوطن

إن للتنشئة الاجتماعية دورًا عظيمًا في تحديد شخصية الفرد الوطنية، وتحديد انتمائه وولائه للوطن.

وتلعب القيم المستقاة منذ الصغر، التي تتمثل في مدى احترام الإنسان لذاته ومحيطه، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتقبل الآخرين مهما كان الاختلاف معهم، وحب العمل والإنجاز والتفكير والإبداع والتسامح والتعايش، دورًا مهمًا في تشكيل شخصية الفرد الفاعل والمنتج، والواعي والمدرك لما يدور حوله، والقادر على إحداث التغيير والنهوض بالوطن.

ولن نرى الإصلاح، ولن نتبوأ سلم النهضة، حتى نبدأ بغربلة منظومة الأفكار الماضوية، التي ندور في فلكها ونتعثر في عراقيلها.