هل يبحث أبناؤنا وبناتنا عن الثراء السريع… أم عن الأمل؟

نشر 07 يونيو 2026

إيمان جوهر حيات

6/7/2026

كثيرًا ما نسمع أحكامًا قاسية على الشباب الذين ينجرفون خلف الوعود البراقة و الطرق التي تبدو أقصر للنجاح. لكن هل توقفنا يومًا لنسأل: ما الذي كانوا يبحثون عنه أصلاً؟

لا أعتقد أن معظم هؤلاء الشباب يبحثون عن المال وحده. فخلف الرغبة في الثراء توجد غالبًا رغبة أعمق، رغبة في الاستقلال، وفي الشعور بالإنجاز، وفي بناء مستقبل أكثر استقرارًا.

وحين يشعر الإنسان أن الطريق طويل، وأن أحلامه أكبر من إمكاناته الحالية، يصبح أكثر استعدادًا للبحث عن الفرص التي تقربه مما يتطلع إليه. وهذا أمر طبيعي لا يقتصر على جيل دون آخر، لكنه يبدو أكثر حضورًا اليوم في عالم أصبحت فيه المقارنات جزءًا من الحياة اليومية.

وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في فتح آفاق واسعة أمام الشباب. فمن خلالها تعلّم كثيرون مهارات جديدة، وأطلقوا مشاريعهم الخاصة، ووصلوا إلى فرص لم تكن متاحة للأجيال السابقة. كما منحت كثيرًا من المبدعين ورواد الأعمال مساحة للتعبير والعمل وبناء مشاريعهم.

وفي الوقت نفسه، جعلت هذه المنصات قصص النجاح أكثر حضورًا في حياتنا اليومية. فنرى النتائج أكثر مما نرى الطريق الذي سبقها، ونرى من وصل أكثر مما نرى من تعثر وهو يحاول الوصول. ونرى اللحظة الأخيرة من القصة، بينما تغيب عنا أحيانًا سنوات طويلة من المحاولة والتعلم والصبر.

وربما يكمن أحد الفروق الكبرى بين جيل اليوم والأجيال السابقة في أن المقارنة لم تعد تحدث بين عدد محدود من الأشخاص. فقد أصبح الإنسان يقارن نفسه بآلاف الأشخاص بصورة مستمرة، وهو ما يجعل الشعور بالتأخر أكثر حضورًا مما كان عليه في السابق.

وفي ظل هذا التدفق المستمر للصور والقصص والنجاحات، يصبح من السهل أن يشعر الإنسان بأنه متأخر، حتى لو كان يسير في طريقه بصورة طبيعية تمامًا.

المؤلم في الأمر أن كثيرًا من هؤلاء الشباب لا يتحركون بدافع الجشع كما يُصوَّر أحيانًا، بل بدافع الأمل. الأمل في حياة أفضل، ومستقبل أكثر استقرارًا، وفرصة يشعرون معها أن أحلامهم ليست بعيدة المنال. ولذلك فإن اختزال القضية في لومهم لا يساعد على فهمها، ولا على معالجتها.

فخلف كثير من القصص التي تنتهي بخيبة أو خسارة، يوجد شاب أو شابة كانا يبحثان عن فرصة. وربما لو وجدا التوجيه الصحيح، أو المعرفة الكافية، أو الفرصة المناسبة في الوقت المناسب، لاختلفت النتيجة تمامًا.

لذلك أرى أن مسؤوليتنا أكبر من مجرد التحذير.

مسؤوليتنا أن نبني بيئة تمنح أبناءنا وبناتنا المعرفة والثقة والفرص الحقيقية، وأن نعيد الاعتبار لفكرة بسيطة كثيرًا ما ننساها وهي أن النجاح ليس سباقًا مع الآخرين، بل رحلة مختلفة لكل إنسان.

فبعض الأحلام تحتاج إلى وقت أطول لتنضج، وبعض الطرق تبدو بطيئة في بدايتها، لكنها تمنح أصحابها أرضًا أكثر صلابة للوقوف عليها.

كما أن مسؤوليتنا تقتضي أن نتحدث مع أبنائنا وبناتنا بلغة الفهم لا بلغة الاتهام. فالشاب الذي يشعر بأنه مفهوم يكون أكثر استعدادًا للاستماع، وأكثر قدرة على مراجعة قراراته، وأكثر ثقة في طلب المساعدة حين يحتاج إليها.

وربما لا يكمن التحدي الحقيقي في وجود الوعود البراقة، بل في صعوبة التمييز أحيانًا بين ما هو فرصة حقيقية وما هو مجرد صورة جذابة لها.

فكثير من الشباب لا يبحثون عن طريق مختصر بقدر ما يبحثون عن فرصة.

فرصة يثبت بها نفسه.

فرصة يخفف بها قلقه على مستقبله.

فرصة يشعر معها أن أحلامه ليست أبعد من أن تُطال.

وربما لهذا السبب يستحق أبناؤنا وبناتنا أن نفهمهم قبل أن نحاكمهم، وأن نصغي إلى مخاوفهم قبل أن نعدد أخطائهم.

فحين يشعر الشاب أو الشابة أن المجتمع يراهما، ويسمعهما، ويفتح أمامهما أبوابًا حقيقية للمستقبل، يصبحان أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متزنة، وأكثر ثقة في بناء حياتهما خطوة بعد خطوة.

لأن ما يحتاجه أبناؤنا وبناتنا اليوم ليس مزيدًا من الوعود، بل مزيدًا من الفرص الحقيقية، والنماذج الملهمة، والثقة بأن الطريق قد يكون أطول أحيانًا، لكنه ليس مستحيلًا.

وربما لهذا السبب لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا يصدق بعض الشباب هذه الوعود؟

بل: كيف نبني مجتمعًا يجعل أبناءه وبناته أقل حاجة إلى البحث عن الأمل في الأماكن الخطأ؟

فمعظمهم لا يبحث عن الثراء السريع بقدر ما يبحث عن حياة كريمة، ومستقبل مطمئن، وفرصة يشعر معها أن جهده لن يضيع سدى.

وهنا تكمن القضية كلها.

فالأمل قوة تدفع الإنسان إلى الأمام، لكنه يحتاج إلى معرفة ترشده، وإلى فرص حقيقة تحتضنه، وإلى مجتمع يؤمن بأبنائه وبناته قبل أن يطالبهم بإثبات أنفسهم.

لأن فلذات أكبادنا لا يحتاجون إلى من يبيعهم الأحلام، بل إلى من يؤمن بقدرتهم على تحقيقها.