حين تصبح الأزمة نظامًا

هل يكفي أن تنجح السياسة في احتواء الأزمات لتُعدّ ناجحة في حلّها؟قد تمنع التسويات الانهيار، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور الخلل. ومع الوقت، قد تتحول الحلول المؤقتة إلى ترتيبات دائمة تحمي مصالح نشأت حول الأزمة. وهنا تكمن المفارقة: متى يصبح الاستقرار مدخلًا للإصلاح، ومتى يتحول إلى ذريعة لتأجيله؟

إيمان جوهر حيات

ماذا يحدث حين تتحول الحلول التي وُضعت لمعالجة الأزمات إلى جزء من الأسباب التي تجعل استمرارها ممكنًا؟

ثمة فرق بين احتواء الأزمة وإدارتها وحلّها؛ فالاحتواء يمنع تفاقم الضرر، والإدارة تنظّم التعامل مع آثاره، أما الحل فيقتضي معالجة الأسباب التي أنتجت المشكلة. وقد تكون الإجراءات المؤقتة ضرورة لا غنى عنها، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول إلى ترتيبات دائمة، ويصبح التعايش مع الأزمة بديلًا عن تجاوزها.

فالأزمات لا تبقى كما بدأت. ومع استمرارها، قد تنشأ حولها مصالح وعلاقات وإجراءات لم تكن جزءًا من أسبابها الأولى. وقد تعتاد المؤسسات أساليب عمل معينة، وتتداخل الصلاحيات، حتى يصبح الإصلاح أكثر تعقيدًا من مجرد اتخاذ قرار بشأنه.

غير أن العجز المؤسسي ليس التفسير الوحيد؛ فقد تجد بعض الأطراف في استمرار الوضع القائم حماية لمكاسب أو نفوذ يصعب التخلي عنهما. وهنا تتقدم أحيانًا المصالح الخاصة على معالجة الضرر العام، ويتداخل الجشع مع ضعف المؤسسات والخوف من التغيير، دون أن يعني ذلك أن كل أزمة ممتدة تقف وراءها نوايا متعمدة لإبقائها.

ولعل الشرق الأوسط، على سبيل المثال لا الحصر، يقدم تجارب تستحق التأمل. ففي لبنان، أسهم اتفاق الطائف عام 1989 في وضع إطار لإنهاء الحرب الأهلية، ونص على إصلاحات من بينها إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، غير أن هذا الهدف لم يتحقق. ولا يقلل ذلك من أهمية وقف الحرب، لكنه يكشف الفارق بين تسوية تنهي المواجهة وإصلاح يعالج أسباب الانقسام.

وفي دراسة نشرها المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» عام 2023، تناول باحثون تجارب لبنان والعراق وليبيا، موضحين كيف يمكن لبعض التسويات القائمة على تفاهمات النخب أن تخفف العنف المباشر، بينما تُبقي مشكلات بنيوية قائمة، أو ترسّخ ترتيبات تعوق الإصلاح والمساءلة.

وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بوجود الحلول وحده، بل بطبيعتها وبالمصالح والقدرات التي تحكم تنفيذها. فقد يكون منع الانهيار إنجازًا ضروريًا، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح تجنب الأسوأ غاية نهائية، بدل أن يكون خطوة نحو الأفضل.

والأثر الأعمق للأزمات الممتدة أنها قد تغيّر توقعات المجتمع نفسه؛ فيعتاد الناس البحث عن حلول فردية لمشكلات عامة، ويصبح الحصول على حق طبيعي إنجازًا استثنائيًا، ويتحول الخلل، مع طول الاعتياد، إلى واقع مألوف.

ومع ذلك، ليس كل استمرار لأزمة دليلًا على وجود مصالح تستفيد منها؛ فبعض النزاعات تطول لأن أسباب الظلم لم تُعالج، أو لأن التسويات المطروحة لا توفر ضمانات عادلة. والتخلي عن امتياز غير عادل يختلف عن التنازل عن حق مشروع.

لذلك، ربما لا يكفي أن نسأل لماذا تستمر بعض الأزمات، بل ينبغي أن نتساءل: هل تعالج الحلول المطروحة أسباب المشكلة، أم تجعل التعايش معها أكثر سهولة؟

فليس كل استقرار دليلًا على زوال أسباب الاضطراب، ولا كل نجاح في إدارة الأزمة يعني نجاحًا في حلّها. وربما يبدأ الإصلاح الحقيقي حين نراجع الحلول نفسها، قبل أن تتحول الوسائل المؤقتة إلى قواعد دائمة، ويصبح التعايش مع الخلل بديلًا عن معالجته.

إقرأ أيضّا:

مئة عام من العزلة… والعالم الذي لم يتعلّم