متاهات

إلى أين يتجه الإنسان؟

كلما اشتدّت الأزمات وتسارعت التحولات، يعود سؤال قديم: إلى أين يتجه العالم؟ لكن ربما يكون السؤال الأعمق: إلى أين يتجه الإنسان؟ مقال يتأمل علاقة الإنسان بالتاريخ، والخطأ، واليقين، والحاجة الدائمة إلى مراجعة ما نعتقد أنه صحيح.

إيمان جوهر حيات

6/23/2026

كلما اشتدّت الأزمات وتسارعت التحولات، عاد سؤال قديم يفرض نفسه بإلحاح:

إلى أين يتجه العالم؟

لكن كلما تأملت التاريخ، بدا لي أن هذا السؤال لا يصل إلى الجذر الحقيقي للمسألة.

فالعالم، في النهاية، ليس سوى الأثر الظاهر لما يفعله البشر.

ولهذا ربما يكون السؤال الأعمق:

إلى أين يتجه الإنسان؟

منذ أن بدأ الإنسان ينظم حياته، وهو يحاول أن يحمي نفسه من نفسه.

سنّ القوانين لأن القوة وحدها لا تكفي.

وبنى المؤسسات لأنه أدرك أن المجتمعات لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها.

ووضع المبادئ لأنه عرف أن الإنسان، مهما بلغ من الحكمة، يظل قادرًا على الانحياز والخطأ.

ومع ذلك، يكشف التاريخ مفارقة يصعب تجاهلها.

تتغير الدول، وتتبدل الحدود، وتتطور العلوم، وتتوسع المعرفة، لكن بعض الأنماط تعود بأشكال مختلفة.

شهد العالم حروبًا قيل بعدها إن البشرية تعلمت الدرس، ثم اندلعت حروب أخرى.

وعرف أزمات كشفت نتائج الجشع وسوء التقدير، ثم ظهرت أزمات جديدة تحمل بعض الملامح نفسها.

وتبدلت الأفكار والشعارات، لكن التوتر بين القوة والعدالة، وبين المصلحة والمبدأ، ظل حاضرًا في صور متعددة.

فإذا كان الإنسان يتعلم من التاريخ، فلماذا يبدو التاريخ أحيانًا وكأنه يعيد طرح الدرس نفسه؟

ربما لأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص المعرفة.

فالإنسان لا يجهل الصواب دائمًا، بل إن معضلته الأعمق أنه قادر على رؤية الخطأ، ثم إيجاد الطريقة التي تجعله يبدو مقبولًا.

وهنا تبدأ القصة.

فكثير من الأخطاء الكبرى لا تبدأ بالكذب على الآخرين، بل بالكذب على الذات.

حين يعيد الإنسان تفسير الواقع بطريقة تسمح له بالاحتفاظ بصورة مريحة عن نفسه.

وحين تتحول القناعة إلى وسيلة للدفاع عن موقف سبق اختياره، بدل أن تكون طريقًا للبحث عن الحقيقة.

وربما لا يتمسك الإنسان ببعض أفكاره لأنها الأقرب إلى الحقيقة دائمًا، بل لأنها الأقرب إلى الطمأنينة.

وليس كل ما يبعث الطمأنينة في النفس يكون بالضرورة أقرب إلى الصواب.

فالتخلي عن فكرة ما قد يعني أحيانًا التخلي عن جزء من الهوية، أو المعنى، أو الشعور بالأمان.

ومن هنا تبرز مفارقة أخرى:

كيف يستطيع كل طرف أن يرى نفسه أكثر عقلانية وعدلًا، حتى وهو ينظر إلى المشهد نفسه الذي يراه غيره بطريقة مختلفة تمامًا؟

فالإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل كما تسمح له خبراته ومخاوفه وانتماءاته ورغباته أن يراه.

ولهذا لا تكمن جذور كثير من الصراعات في المصالح وحدها، بل في الطريقة التي يفهم بها البشر أنفسهم والآخرين والعالم من حولهم.

ومن هنا تنبع أهمية مراجعة النفس.

فالمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان، بل في أن يتوقف عن مراجعة ما يعتقد أنه صحيح.

فالمراجعة الحقيقية تبدأ حين يقبل الإنسان احتمال أن يكون مخطئًا.

ولعل أصعب أشكال المراجعة ليست مراجعة الأفكار التي نختلف معها، بل مراجعة الأفكار التي اعتدنا النظر إليها بوصفها حقائق لا تحتاج إلى مراجعة.

فالخطأ جزء من التجربة البشرية.

أما الخطر الحقيقي فيبدأ حين يفقد الناس حساسيتهم تجاهه، ويتعايشون معه طويلًا حتى يبدو طبيعيًا.

أو حين يتوقف السؤال، لا لأن الإجابة وُجدت، بل لأن الاعتياد حلّ محل التساؤل.

ولعل إحدى مفارقات التاريخ أن الإنسان أتقن تطوير أدواته أسرع مما أتقن فهم نفسه.

لقد أصبح أكثر قدرة على تغيير العالم من أي وقت مضى، لكن قدرته على مراجعة انحيازاته، وفهم دوافعه، والاعتراف بأخطائه، لم تتطور بالسرعة نفسها.

ولهذا يعود السؤال من جديد، ولكن بصيغة مختلفة:

هل يتطور وعي الإنسان بالقدر الذي تتطور به قدرته على التأثير؟

فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من اليقين، بقدر ما يحتاج إلى وعي أعمق بحدود اليقين.

ولا يحتاج إلى بشر لا يخطئون، بل إلى بشر لا يتوقفون عن مراجعة أنفسهم.

لأن أخطر ما في التاريخ ليس أن يخطئ الإنسان.

بل أن يعتاد خطأه.

ثم يبني له تفسيرًا.

ثم يمنحه شرعية.

ثم ينسى، بعد حين، أنه كان خطأ في الأصل.

وربما لهذا لا تبدأ الحكمة من امتلاك الإجابات كلها، بل من الشجاعة الكافية لطرح سؤال بسيط على النفس بين الحين والآخر:

ماذا لو كنت مخطئًا؟

هذا السؤال، على بساطته، قد يكون بداية الوعي الحقيقي.

لأنه يذكّر الإنسان بأن مستقبله لا يرتبط فقط بما يملكه من قوة ومعرفة، بل بقدرته على مراجعة نفسه قبل أن يعتاد ما يصنعه.