شرارة الظلم تخفت لا تنطفئ: انعدام الجنسية في الكويت

انعدام الجنسية في الكويت قضية إنسانية وقانونية تمس البدون، وتهدد الثقة والاستقرار، وتستدعي حقوقًا مدنية وحلًا عادلا يحفظ كرامة الإنسان | نشر 26 ديسمبر 2023

إيمان جوهر حيات

قضية لا تُطوى بالوعود

تسليط الضوء على قضية انعدام الجنسية في الكويت، تلك القضية الشائكة التي لا تُلقي بظلالها على المتضررين فقط، بل تمتد حاملة معها تأثيرات واسعة على المجتمع والدولة، هي قضية لا يمكن طيّها بقرارات أو تصريحات أو وعود تخديرية عابرة، وليس من الحصافة استغلال قضايا المجتمع المتراكمة في مناورات سياسية لا تحمل أي بعد نظر.

من هم البدون؟

هم بشر يعيشون بيننا بلا وجود، يعانون بصمت، لا حقوق مدنية ولا إنسانية لهم، مهمشون، معزولون، مقيدون، مهددون في معيشتهم وعملهم وتعليمهم، وذلك رغم مصادقة الكويت على العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، والملزم إنفاذها بموجب المادة 70 من دستور الكويت.

ورغم أننا نعيش في زمن التناقضات، وقد رأينا بأم أعيننا كيف تتعامل المنظمات الدولية التي ترفع راية حقوق الإنسان مع نضال أبناء غزة، مما خلق شرخًا كبيرًا في مصداقية تلك المنظمات التي من المفترض أن تتحلى بالموضوعية، إلا أنه لا يمكن تجاهل أهمية الالتزام بالقيم الإنسانية والأخلاقية التي تتضمنها تلك المواثيق والمعاهدات الدولية الحقوقية، لضمان الاستقرار الاجتماعي أولًا، وحماية البلد من تنمّر القوى المهيمنة التي في الأغلب تستخدم تلك المنظمات للضغط على الدول التي تعرقل مصالحها أو تهددها.

كما أن التناقض بين التزامات الدولة أمام المجتمع الدولي وواقع الإنفاذ يشير إلى وجود خلل عميق في السياسات الحكومية المتبعة، ويترتب على ذلك الإضرار بسمعة البلد، والأهم والأخطر هو اهتزاز ثقة أفراد المجتمع في مؤسسات الدولة، مما يخلق حالة من الفوضى، وتفاقم الانقسامات والتوترات في المجتمع.

التعليم وحقوق الأطفال

وعلى سبيل المثال:

رأينا كيف يُهدد أطفال البدون بداية كل عام دراسي في حقهم في التعليم، رغم مصادقة الكويت على اتفاقية حقوق الطفل الدولية، الصادر بها المرسوم رقم 104 لسنة 1991 بتاريخ 25 سبتمبر 1991، والاتفاقية الموقعة بين الكويت ومنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة التي تم التصديق عليها بموجب المرسوم الصادر في 6 يوليو 1969.

وتبعات هذا القرار الحكومي خلقت حالة من الفوضى في المجتمع، وارتفعت على إثره الأصوات المناهضة والمؤيدة لهذا القرار، ونشطت الحملات العنصرية البغيضة، وزادت المهاترات، وبعدها ينتهي الأمر بتقديم «حلول» مؤقتة من قِبل ذات الحكومة، التي تتبع سياسة متناقضة ومتباينة من التشدد والتساهل.

سياسة لم تعد مقتصرة فقط في التعامل مع ملف البدون، بل تمتد تأثيراتها السلبية إلى مختلف جوانب حياتنا، وأصبحنا نعيش تبعاتها الخطيرة.

الثقة العامة وأمن المجتمع

فعندما تُخفق مؤسسات الدولة، الحكومية والمدنية، في تحقيق مستوى مرتفع من الثقة العامة، يترتب على ذلك تراجع في الالتزام والامتثال للوائح وقوانين الدولة.

وما نشهده من ارتفاع معدلات الجريمة، والعنف، والإدمان على المواد المخدرة، وكذلك الغش، والقائمة تطول… ليس إلا مؤشرات تشير إلى وجود حالة من الإحباط والاستياء، الناجمة في الأغلب عن عدم استقرار واتزان السياسات الحكومية وغياب دور مؤسسات المجتمع المدني.

وهذا الوضع يشكل تهديدًا جادًا للأمن والاستقرار المجتمعي، ويتطلب تدخلًا عاجلًا من قِبل كافة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطة التنفيذية، للوقوف على الأسباب الكامنة خلف تلك الظواهر المقلقة، ووضعها تحت مجهر البحث والدراسة، ومواجهتها بكل مهنية وموضوعية وحيادية، بدلًا من التملص من المسؤولية واللعب على عامل الزمن، كما حدث ويحدث مع قضية البدون وغيرها من قضايا المجتمع المتراكمة.

الحقوق المدنية خطوة أولى

لذلك يُعد إقرار قانون الحقوق المدنية والاجتماعية كخطوة أولى واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا على السلطتين التشريعية والتنفيذية.

ولكن إقرار تلك الحقوق، التي بكل تأكيد ستخفف كثيرًا من الأعباء من على كاهل البدون، إلا أنها لن تغلق هذا الملف الشائك ولن تنهي القضية، ويتوجب أن يتبع هذه الخطوة تقديم حل جذري وعادل، يستوعب التغيرات التي تجتاح عالمنا، ويراعي الظروف السياسية والاجتماعية الحالية، ويتسق مع مضامين دستور الدولة، ويتوافق مع المعاهدات والمواثيق الدولية، ويستند إلى المعايير الأساسية التي تراها منصة الدفاع عن بدون الكويت هي الحد الأدنى لأي حل شامل وعادل، وتم نشر تلك المعايير في حساب صحيفة بلاتفورم على منصة X.

وهي كالتالي:

  1. منح البدون حق المواطنة بشكل فوري لجميع الفئات التي أقرت السلطة التنفيذية استحقاقها للجنسية.

  2. تأمين جميع الحقوق المدنية والاجتماعية لكل عديمي الجنسية دون قيد أو شرط.

  3. ضمان استقلالية القضاء، لتمكينه من الرقابة على تطبيق قانون يختص بتنظيم موضوع المواطنة، وذلك تأكيدًا على الحق السيادي للدولة، وإنهاءً لملف القضية، على أن يكون هذا القانون مقيدًا بإطار زمني متضمنًا ما يلي:

• معايير موضوعية ومدنية لتمكين الأفراد عديمي الجنسية من طلب الحصول على الجنسية بما لا يتعارض مع القانون المنظم لحق المواطنة.

• ضمان حق التقاضي للجميع دون استثناء، وبالأخص فيما يتصل بالنزاعات المتعلقة بحق المواطنة.

• إشراك منظمات المجتمع المدني من دون استثناء، ومن ضمنها الفئات الاجتماعية المتضررة بصورة مباشرة، في صياغة أي قانون يختص بهذه القضية.

دور جمعية المحامين الكويتية

وهنا أود أن أشير إلى واحدة من أهم المؤسسات القانونية في الكويت، وهي جمعية المحامين الكويتية، التي قامت بتبني مقترح قانون لمعالجة أوضاع عديمي الجنسية بشكل شامل وعادل، يستند إلى المعايير أعلاه، وإشراك مجموعة من المتخصصين والناشطين وأصحاب القضية في الاطلاع على هذا المقترح ومراجعته وتفنيده بعناية، ومن ثم تم تقديمه لمجلس الأمة في أكتوبر 2019.

وللأسف، تعثر هذا الجهد المجتمعي بسبب التوترات السياسية التي يعيشها البلد منذ أمد، وهذا الأمر لا يعفينا جميعًا من تحمل المسؤولية، وضرورة تفادي الانجراف خلف متاهات التأزيم السياسي، والمضي قدمًا في ممارسة الضغط المستمر، وتنظيم الجهود بشكل فعّال، من أجل تحقيق التغيير الإيجابي المطلوب في المجتمع.

ولا يمكن أن يكون هناك تغيير إيجابي مستدام من دون تحقيق العدالة أولًا، والتي يتطلب تحقيقها وجود منظمات مجتمع مدني مستقلة وفعالة ونشطة، تتعاون فيما بينها وتعمل لأجل الصالح العام.

المقترحات المؤجلة والإنكار الرسمي

وأود الإشارة إلى لجنة غير محددي الجنسية في مجلس الأمة، حيث تمت الموافقة على مقترح قانون للحقوق المدنية والاجتماعية لعديمي الجنسية بتاريخ 25 سبتمبر 2023 بإجماع أعضاء اللجنة، وبموافقة غالبية أعضاء مجلس الأمة، حسب تصريح مقرر اللجنة.

ما زال مقترح القانون أعلاه مجرد حبر على ورق، وهذا الأمر ليس جديدًا. والأسوأ هو ما حدث في الاجتماع الـ4048، الدورة الـ139 للجنة المعنية بحقوق الإنسان، المنعقد في تاريخ 16 أكتوبر 2023، أي بعد 20 يومًا من مقترح لجنة غير محددي الجنسية في مجلس الأمة والمشار إليه أعلاه.

حيث صرح رئيس الوفد، ممثل دولة الكويت، بكل ثقة أنه «لا يوجد مسمى بدون»، بل مقيمون بصورة غير قانونية.

كيف يتم حل هذه القضية وما زالت الحكومة تنكر وجودها؟

وما سبب صمت لجنة غير محددي الجنسية في مجلسنا الموقر؟

شرارة الظلم لا تنطفئ

فلا مجال للمماطلة… وأصبح إقرار الحقوق الأساسية كخطوة أولى أمرًا مستحقًا وعاجلًا وغير قابل لمزيد من التأجيج والسجال والمهاترات. وهذا ليس التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا فقط، بل هو استثمار استراتيجي في رصيد الأمن الاجتماعي والتنمية المستدامة.

شرارة الظلم تخفت، ولكن لا تنطفئ، ويكفي أن نراقب ما يحدث حولنا لندرك وجوب النضال من أجل تطبيق العدالة.