وأد الإبداع في العالم العربي: حين تُقتل الفكرة قبل أن تنضج
نشر 04 سبتمبر 2017 مقال يتناول وأد الإبداع في العالم العربي، من التلقين في الطفولة إلى البيروقراطية والخوف من الحرية، ويدعو إلى بيئة تحمي التفكير والابتكار
إيمان جوهر حيات
6/7/2026
يقف الإنسان المبدع وحيدًا وسط ظلامٍ حالك، يبحث عن منفذ يعبّر من خلاله عن نفسه. كلما التفت وجد العوائق، وكلما تقدّم اصطدم بالإحباط والسخرية والجمود.
هو لا يُحارَب لأنه أخطأ، بل لأنه يفكر. ولا يُربَك لأنه فشل، بل لأنه يحاول أن يرى ما اعتاد الآخرون تجاهله. ولذلك يصبح الإبداع، في بعض البيئات، هدفًا لمن يخافون السؤال، ويطمئنون إلى الركود، ويقتاتون على الأوهام التي لا تعيش إلا في غياب الوعي.
نعم، هذا هو حال الإنسان المبدع في وطننا العربي.
حين تضيع البراءة الإبداعية
في جملة لافتة من كتاب من قتل الإبداع؟ للمؤلفين البريطانيين أندرو وجايا جرانت، جاء أن البراءة الإبداعية التي كانت تعرفنا وتميّزنا في صغرنا تاهت وسط السعي لتحقيق الأهداف الشخصية أو المؤسسية، وكأننا نتحول شيئًا فشيئًا إلى كائنات من الموتى الأحياء بلا مخيلة.
هذه العبارة تختصر مأساة طويلة. فالإنسان لا يولد جامدًا، ولا يولد خائفًا من السؤال. يولد وفي داخله دهشة، وفضول، ورغبة في الاكتشاف. لكن هذه البذرة، إن لم تجد بيئة تحميها، قد تذبل قبل أن تنمو.
من الطفولة يبدأ خنق الإبداع
لو نظرنا عن قرب إلى مراحل نمو الإنسان في كثير من مجتمعاتنا، سنجد أنه يعاني منذ طفولته من مشكلة التلقين والحفظ. يبدأ ذلك داخل الأسرة، ثم يتعزز في المدرسة عبر مناهج متردية وبيئات غير داعمة.
ما يتلقاه الطفل غالبًا ليس تدريبًا على التفكير، بل مجموعة من الأوامر غير القابلة للنقد أو الاستفسار. وما يُطلب منه ليس الفهم، بل الطاعة والامتثال. وهكذا يكبر وفي داخله صوت خافت يقول له: لا تسأل كثيرًا، لا تختلف كثيرًا، لا تخرج عن المألوف.
ومع الوقت، لا يُقتل الإبداع فجأة، بل يُستنزف بهدوء.
حين يصطدم الشاب بجدار المؤسسة
وعندما يصبح هذا الإنسان شابًا يافعًا ويتجه إلى العمل الحكومي، يصطدم طموحه بجدار صلب من البيروقراطية، والخوف من الفشل، والجمود الوظيفي.
هناك أيضًا خليط مؤذٍ من الحسد، والكراهية، والتسلط، يمارسه بعض أصحاب النفوذ والقرار ممن اعتادوا قتل روح الإبداع والتطوير والتغيير، خوفًا على مناصبهم ومراكزهم من الزوال.
وحتى إن أراد المواطن أن يبدأ مشروعًا صغيرًا يؤمّن من خلاله مستقبله، ويصنع استقلاله، وجد أمامه سلسلة من المعوقات التي تحول بينه وبين طموحه. وكأن الطريق إلى المبادرة لا يُفتح إلا بصعوبة، بينما الطريق إلى الإحباط ممهّد دائمًا.
ما الإبداع؟
الإبداع ليس ترفًا فكريًا، ولا زينة ثقافية.
الإبداع عملية عقلية مدعومة بالخبرة، تقود الإنسان إلى التفكير، والتحليل، والنقد، والابتكار. ومن خلاله ترتقي المجتمعات، وتزدهر، وتتقدم.
فالقوة الحقيقية لا تكمن في كثرة الشعارات، ولا في مظاهر السلطة، بل في بناء العقول بالعلم والمعرفة، وفتح الطريق أمام الإنسان كي يفكر بحرية، ويخطئ، ويتعلم، ويحاول من جديد.
درس سبوتنيك: حين تستثمر الدول في العقول
لم تتقدم الولايات المتحدة في مجالات العلم والفضاء والتعليم العلمي مصادفة. ففي خمسينيات القرن الماضي، وبعد أن تفوق الاتحاد السوفيتي بإطلاق القمر الصناعي “سبوتنيك”، شعرت أمريكا بصدمة كبيرة؛ لأنها كانت ترى نفسها رائدة في هذا المجال.
لكنها لم تكتفِ بالدهشة أو الإنكار. بل أعادت النظر في تعليمها، واهتمت بالعلوم والبحث، وبدأت تولي الإبداع والمبدعين عناية أكبر، كما استقطبت العقول المبدعة من حول العالم، ورعتها، واستثمرت فيها.
وهذا أحد الأسباب المهمة التي قادت أمريكا إلى التقدم والتطور. فالأمم التي تفهم قيمة العقل لا تخاف من المبدع، بل تبحث عنه.
لماذا تخاف مجتمعاتنا من الإبداع؟
لا تزال مجتمعاتنا العربية، في جوانب كثيرة، نائمة في العسل. لم تفهم، أو ربما تتعمد تجاهل حقيقة واضحة: لا تقدم بلا عقول حرة، ولا ازدهار بلا بيئة تحمي الإبداع.
فالعقول المفكرة لا تنمو في بيئات تقتل السؤال، وتتعسف في تربية النشء، وتعتبر الإبداع ضلالة، والحرية انحرافًا.
ولو قرأ العرب التاريخ بتمعّن، لوجدوا أن المبدعين والمفكرين هم من قادوا العالم إلى النهوض والرقي في مختلف مجالات الحياة. لكن المشكلة أن هناك من لا يريد أن يقرأ. وإن قرأ، لا يفهم. وإن فهم، يتجاهل.
لماذا؟
لأن هناك مجموعة من الأسباب التي ما زالت تسيطر على العقل العربي، منها: الامتثال الأعمى للأعراف والتقاليد، والميل إلى الاتباع، والتشبث بالماضي وتبعاته، إلى جانب دور السلطة والأنظمة السياسية غير المستقرة في خلق صراعات متتالية استنزفت موارد الأوطان الاقتصادية، وخلقت أزمات نفسية واجتماعية، وأغرقت الناس في دوائر متلاحقة من الضغوط.
وحين يُستنزف الإنسان في القلق اليومي، يصبح من السهل تضليله بالأكاذيب وتوافه الأمور، وإلهاؤه عن الوقائع والحقائق، وبسط السيطرة عليه.
الطريق إلى الإصلاح
لا سبيل إلى الإصلاح إلا باحتضان الأبناء، وتوفير البيئة المناسبة التي تساعدهم على النمو والازدهار، وحماية حقوقهم الفردية، واحترام الاختلاف والتعددية والحقوق الإنسانية.
ولا يمكن أن يزدهر الإبداع في ظل القيود التي تبدد طاقات الإنسان، وتعيقه عن التفكير، والابتكار، ومواجهة متغيرات الحياة.
فالنهضة لا تبدأ من الحجر، بل من العقل. ولا تبدأ من الخوف، بل من الحرية المسؤولة. والسبيل إلى ذلك هو الممارسة الحقيقية للديمقراطية الليبرالية التي تحمي الحقوق والحريات المدنية للأغلبية والأقلية على حد سواء.
حين نحمي الإنسان، نحمي الإبداع.
وحين نحمي الإبداع، نمنح أوطاننا فرصة حقيقية للحياة.
