الصمت والضمير
تأمل في الصمت الذي لا يعني الرضا، وفي الأعباء التي يحملها الإنسان بصمت، وما قد تتركه في نفسه من أثر، وفي مجتمعه من خسارات لا ترى. عن الضمير والطمأنينة، وعن السلام النفسي بوصفه أحد مقومات ازدهار الإنسان والوطن. نشر 13 أكتوبر 2026
إيمان جوهر حيات
ليس كل صمتٍ فراغًا، ولا كل هدوءٍ طمأنينة. فقد يمضي الإنسان في تفاصيل حياته، يشارك الآخرين أحاديثهم، ويبتسم لما يبعث على الابتسام، بينما يحمل في داخله كلامًا أثقل من أن يجد طريقه إلى العلن. لا لعجزٍ عن التعبير، بل لأن بعض الكلمات قد تمتد تبعاتها إلى ما هو أبعد من صاحبها.
وهناك، في المسافة بين ما يمليه الضمير وما تسمح به الظروف، تتشكل غصّة لا يراها أحد. غصّة لا تعني ضعفًا أو استسلامًا، بل تكشف تعقيدًا إنسانيًا حين تتزاحم القناعة مع المسؤولية، والرغبة في البوح مع الحرص على من نحب.
فالإنسان لا يعيش بما يقوله وحده، بل بما يحتفظ به في أعماقه أيضًا. وما لا يجد سبيلًا إلى التعبير قد يستقر في النفس قلقًا، أو يتحول إلى أسئلة معلّقة، أو يترك شعورًا خفيًا بأن جانبًا من الذات لا يجد متسعًا للظهور.
وليس كل صمت مؤلمًا؛ فقد يكون اختيارًا واعيًا يمنح الإنسان فسحة للتأمل، أو حكمة تقتضيها اللحظة. لكن الصمت الذي يطول خلافًا للرغبة، ويصاحبه شعور دائم بالحذر أو العجز، يحمل عبئًا مختلفًا. فالمشكلة هنا ليست في غياب الكلمات، بل في شعور الإنسان بأن التعبير عن ذاته لم يعد أمرًا مطمئنًا.
ومع الوقت، قد يتجاوز هذا الشعور حدود النفس. يصبح الإنسان أكثر تحفظًا، وأقل ميلًا إلى المبادرة، وربما يتراجع اهتمامه بالمشاركة فيما كان يعنيه. لا لأنه فقد انتماءه أو تخلّى عن قناعاته، بل لأن ثقته بجدوى صوته أخذت تتآكل.
وهكذا قد تبدأ الغربة من الداخل، قبل أن تكون ابتعادًا عن مكان.
فالاغتراب ليس دائمًا أن يعيش الإنسان بعيدًا عن أهله أو وطنه؛ قد يكون أن يبقى بينهم، لكنه يشعر بأن شيئًا من أفكاره ومخاوفه لا يجد موضعًا في الحياة المشتركة. حاضرًا في المكان، لكنه أقل حضورًا فيما يصوغ ملامح الغد.
وتلك خسارة لا تُقاس بعدد الكلمات التي لم تُقَل، بل بما قد ينحسر معها من ثقة ومبادرة وشعور بالجدوى.
فالإنسان يحتاج إلى الأمان بمعناه الأوسع؛ لا أن يطمئن على حاجاته المادية فحسب، بل أن يشعر بأن له قيمة، وأن أفكاره جديرة بالإنصات، وأن اختلافه لا ينتقص من مكانته بين الآخرين. وحين يضعف هذا الشعور، قد تستنزف المخاوف جانبًا من طاقته، فينصرف ما كان يمكن أن يبذله في التفكير والإبداع والمشاركة إلى الحذر والانكفاء.
ومن هنا يبدأ الأثر الذي لا يقتصر على الفرد.
فالمجتمع لا يقوم على ما ينجزه أفراده بأيديهم وحدها، بل على ما يضيفونه بعقولهم وتجاربهم وضمائرهم. وحين تتراجع المشاركة، لا تغيب الأصوات فحسب؛ قد تغيب معها فكرة نافعة، أو ملاحظة صادقة، أو مبادرة كان يمكن أن تفتح أفقًا جديدًا.
وما أكثر الخسارات التي لا تترك وراءها فراغًا ظاهرًا. فلا أحد يستطيع إحصاء الأفكار التي لم تُطرح، أو الأسئلة التي لم تُناقش، أو الحلول التي لم تجد فرصتها كي تولد.
وحين تتشابه الأصوات أكثر مما تتشابه القناعات، قد يبدو المشهد مطمئنًا، بينما تبقى في النفوس أسئلة لم تجد طريقها إلى الحوار.
فالسكينة التي تنشأ من الثقة تختلف عن السكون الذي تصنعه الخشية، وإن تشابه الاثنان في الظاهر.
وليس الاختلاف في ذاته ما يضعف تماسك المجتمع؛ فالاختلاف، حين يجد مساحة للحوار والاحترام، قد يوسع الرؤية ويصحح الأخطاء ويمنح الناس فهمًا أعمق لبعضهم بعضًا. أما حين تتراجع الثقة بجدوى الحوار، فقد يحل الانسحاب محل المشاركة، ويصبح ظاهر الاتفاق أوسع من حقيقته.
وهنا تتصل الصحة النفسية للإنسان بعافية المجتمع. فالطمأنينة لا تعني حياة خالية من القلق أو الاختلاف، بل أن يمتلك الإنسان قدرًا من الأمان يسمح له بمواجهة ما يقلقه دون أن يفقد إحساسه بقيمته، أو ثقته بالآخرين، أو رغبته في الإسهام فيما حوله.
وللوطن في هذه العلاقة معنى يتجاوز العاطفة.
فالوطن نعمة لا تختصرها الجغرافيا، بل تتجسد في شعور الإنسان بالأمان والانتماء، وفي ثقته بأن له مكانًا محفوظًا، ومستقبلًا يستطيع أن يتطلع إليه مع أبنائه. غير أن هذه الطمأنينة لا تصونها المحبة وحدها؛ فهي تحتاج إلى عدل واستقرار وثقة، وإلى بيئة يشعر فيها الإنسان بأن وجوده معتبر، وأن اختلافه لا ينفي إخلاصه.
وما أثقل أن يحمل المرء همّ المكان الذي يحب، ثم يشعر بأن المسافة بين محبته والقدرة على الإسهام في مستقبله تزداد اتساعًا.
ولعل أشد المفارقات إيلامًا أن يصمت الإنسان حرصًا على أمان أبنائه، بينما يخشى أن يرثوا من صمته عالمًا أقل قدرة على الإصغاء.
فالأجيال لا ترث ما نشيده من عمران وحده، بل تتأثر أيضًا بالمناخ النفسي والاجتماعي الذي تنشأ فيه؛ بما تراه من ثقة أو حذر، ومن استعداد للحوار أو ميل إلى الانسحاب. وما يتعلمه الأبناء عن قيمة أصواتهم لا تصنعه الكلمات التي نرددها أمامهم وحدها، بل الطريقة التي يرون بها الناس يتعاملون مع اختلاف بعضهم بعضًا.
ومن هنا لا تكون العناية بالصحة النفسية شأنًا فرديًا معزولًا عن مستقبل الأوطان. فالمجتمعات التي تمنح أفرادها أسباب الأمان والكرامة والإنصاف تهيئ ظروفًا أفضل للتعلم والعمل والإبداع والمشاركة. والتنمية التي تعتني بما يملكه الإنسان، وتغفل ما يشعر به، تبقى ناقصة مهما اتسعت منجزاتها.
أما الضمير، فلا تتوقف حياته على ارتفاع الصوت. فقد يحتفظ الإنسان بمبادئه في سلوكه، وفي تعاطفه مع الآخرين، وفي امتناعه عن المشاركة في الأذى، حتى حين لا يجد لكل ما يؤمن به مساحة للتعبير.
لكن الخطر يبدأ حين يمتد الصمت من اللسان إلى الوجدان؛ حين لا يعود الإنسان يكتفي بكتمان ما يشعر به، بل يعتاد ألّا يتوقف عند ما كان يؤلمه، وأن يمرّ بمعاناة الآخرين كأنها شأن لا يعنيه.
وهنا لا يخسر الإنسان شيئًا من صوته فحسب، بل قد يخسر شيئًا من حساسيته الأخلاقية، ومن الروابط التي تصل مصيره بمصائر الآخرين.
ولا يصح أن نحمّله وحده مسؤولية هذا الانسحاب؛ فالمناخ الذي يعيش فيه، وما يجده من أمان وإنصاف وفرص للمشاركة، عوامل تؤثر في علاقته بنفسه وبمجتمعه.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يشغلنا ليس كم من الناس يتحدثون، بل كم منهم يشعرون بأنهم مسموعون؟ وكم من العقول تملك ما تضيفه، لكنها لا تجد ما يشجعها على المشاركة؟
إن ازدهار الأوطان لا يُقاس بما تشيده من عمران وحده، بل بما تحفظه في الإنسان من طمأنينة وثقة وكرامة، وبما تتيحه له من قدرة على التفكير والمشاركة والشعور بأن لحياته أثرًا ومعنى.
فليس كل صمتٍ رضا، وليس كل ما لا يُقال قد فقد معناه.
وأثقل ما في الصمت ليس أن تبقى الكلمات حبيسة الصدور، بل أن يعتاد الإنسان غياب صوته، ويعتاد المجتمع غياب ما كان يمكن أن يضيفه ذلك الصوت.
إقرأ أيضّا:
