السؤال الذي يسبق الحرية: كيف تستحق الدولة ثقة مواطنيها؟
السؤال الذي يسبق الحرية يبدأ من الثقة بالدولة والقانون. قراءة فكرية في معدن الدولة، وحقوق الإنسان، وأثر الأزمات في علاقة المواطن بمؤسساته
إيمان جوهر حيات
في أوقات الهدوء، تبدو كثير من الأسئلة مؤجلة. لكن ما إن تضطرب الأحوال، وتتغير السياسات، وتتداخل المصالح، حتى يعاد ترتيبها، ويظهر سؤالٌ يسبق الحديث عن الحرية والحقوق والمشاركة:
ما الذي يجعل الإنسان يثق بدولته؟
قد ترتبط الإجابة بالقوة، أو بالاقتصاد، أو بالدستور، أو بكفاءة المؤسسات. وكلها عناصر مهمة، لكنها لا تكشف وحدها جوهر الدولة؛ لأن هذا الجوهر لا يظهر حين تسير الأمور كما هو متوقع، بل حين تصبح المحافظة على المبادئ أكثر صعوبة.
فالدولة لا تُختبر فقط في قدرتها على اتخاذ القرار، وإنما في الكيفية التي تتخذ بها قراراتها تحت الضغط، وفي مقدار ما يبقى من حقوق الإنسان وأمانه حين تتغير الأولويات.
وهنا يظهر معدن الدولة.
الثقة أساس استقرار الدولة
الإنسان لا يبني حياته على ما يراه اليوم وحده، بل على ما يطمئن إلى بقائه غدًا.
يؤسس مشروعًا، ويخطط لمستقبل أبنائه، ويتخذ قراراته الكبرى؛ لأنه يفترض أن هناك قواعد مستقرة، وأن القانون لن يتغير معناه بتغير الأشخاص أو الظروف، وأن حقوقه لن تصبح موضع مراجعة كلما مرّت الدولة بأزمة.
ولهذا، لا تُقاس قوة المؤسسات بعددها أو أسمائها، بل بقدرتها على أن تبقى جديرة بالثقة حين تشتد الضغوط. ولا يكتسب القانون قيمته من جمال صياغته، وإنما من شعور الناس بأنه سيُطبَّق بالمعيار نفسه على الجميع.
فالقوة قد تفرض النظام، لكنها لا تصنع الطمأنينة. أما الدولة الراسخة، فهي التي تجعل الإنسان مطمئنًا إلى أن حقه لا يتوقف على اسم المسؤول، وأن كرامته لا تخضع لتقلبات السياسة، وأن المؤسسات أقوى من الظروف العابرة.
الأزمات تكشف معدن الدولة
ليس المقصود بمعدن الدولة أن تبقى جامدة أو ترفض التغيير؛ فالتغيير ضرورة، والدولة التي لا تتطور تتأخر عن زمنها وعن احتياجات مجتمعها.
لكن المسألة ليست في أن تتغير الدولة، بل في كيفية تغيّرها، ولصالح من يكون هذا التغيير.
تتغير السياسات، وتتبدل الأدوات، وتُراجع الأولويات، وقد تُعاد صياغة الخطط بما يتناسب مع الواقع. أما كرامة الإنسان، والمساواة أمام القانون، واستقرار الحقوق الأساسية، فلا ينبغي أن تتحول إلى متغيرات تابعة للظرف.
ومن أجل ذلك وُجدت الدساتير والقوانين الأساسية: لا لتمنع الدولة من الحركة، بل لتحمي الإنسان أثناء حركتها، ولتضمن أن يكون التغيير انتقالًا إلى الأفضل، لا مجرد تبدلٍ يُطلب من الناس تحمّل كلفته مهما بلغت.
فالمعدن لا يعني رفض التغيير، بل يعني أن تعرف الدولة ما يمكن تطويره، وما يجب أن يبقى مصونًا مهما تبدلت المراحل.
الإنسان في زمن الروايات المتصارعة
تزداد أهمية هذه الثقة في زمنٍ لم تعد فيه الصراعات تُخاض بالسلاح وحده، بل بالروايات والصور والتفسيرات أيضًا.
في كل أزمة، يعرض كل طرف جزءًا من المشهد بوصفه الحقيقة كلها، ويجد الإنسان نفسه مطالبًا باتخاذ موقف قبل أن تكتمل الصورة، وبإطلاق حكم قبل أن يعرف ما خفي من المصالح والحسابات.
ومع الوقت، لا يعود الخلاف حول الحدث وحده، بل حول معناه، ومن يملك تفسيره، وأي الروايات أحق بالتصديق.
وحين يضعف يقين الإنسان بقدرته على فهم ما يجري، يصبح أكثر قابلية للخوف والاستقطاب، وأسرع إلى الشك في الآخرين. وقد يتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية، ويصبح التريث موضع اتهام، والسؤال دليلًا على نقص الولاء.
لكن حب الوطن لا يعني تعطيل العقل، والانتماء لا يقتضي أن يتبنى الجميع تفسيرًا واحدًا للأحداث. بل لعل من أصدق صور الانتماء أن يخشى الإنسان على وطنه من الخطأ، كما يخشى عليه من الأخطار التي تأتيه من الخارج.
وهنا أيضًا يظهر معدن الدولة: في قدرتها على حماية المجال الذي يستطيع فيه الإنسان أن يفكر، ويسأل، ويختلف، من دون أن تصبح وطنيته موضع شك.
الحرية نتيجة وليست بداية
لعل جانبًا من نقاشنا العام يبدأ من منتصف الطريق.
نسأل: كيف نوسّع مساحة الحرية؟ وكيف نعزز المشاركة؟ وكيف نحقق العدالة؟
وكلها أسئلة مشروعة، لكنها تفترض أن الأساس قد اكتمل؛ بينما السؤال الذي يسبقها جميعًا هو:
كيف نبني دولةً تستحق ثقة مواطنيها؟
دولةً يطمئن فيها الإنسان إلى أن التغيير لن يسلبه الأمان، وأن الاختلاف لن يسلبه الانتماء، وأن حقوقه لن تصبح أقل ثباتًا كلما ازدادت الظروف اضطرابًا.
فالحرية لا تستقر بالنصوص وحدها، بل حين يثق الإنسان بأن القانون لا يتبدل بتبدل الوجوه، وأن المؤسسات تبقى أقوى من الأشخاص، وأن كرامته ليست منحة قابلة للاسترداد، بل أصلٌ تقوم عليه الدولة.
وربما لا يبدأ تراجع الدول حين تضعف مواردها، ولا حين تواجه أولى أزماتها، بل حين يفقد الناس ثقتهم بأن القواعد التي بنوا عليها حياتهم ستظل قائمة غدًا.
عندها لا يتغير الواقع وحده، بل يتغير الإنسان نفسه؛ فيتراجع شعوره بالأمان، ويحل الحذر محل المبادرة، والصمت محل المشاركة.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأول:
كيف نحقق الحرية؟
بل:
كيف نبني دولةً يبقى فيها القانون أقوى من تقلبات اللحظة، ويبقى الإنسان غايتها مهما تغيرت السياسات؟
لأن الحرية، في نهاية المطاف، ليست أول الطريق، بل إحدى العلامات التي تدل على أن الطريق قد بُني على أساس صحيح.
إقرأ أيضّا:
